سيف الدين الآمدي
268
أبكار الأفكار في أصول الدين
قلنا : لم يكن ذلك التقدير بطريق الوجوب ؛ بل غايته أنه كان / ذلك على وفق ما اقتضته المصلحة ، في ذلك الوقت ، ولعله رأى المصلحة بعد ذلك في الزيادة ، مع تقرير ما كان واجبا على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؛ وهو من أهل الاجتهاد فيه « 1 » . قولهم : إنه أبدع التراويح ، لا نسلم ، فإنه قد روى : « أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - صلاها ليالي ، وصلوها معه ، ثم تأخر ، وصلاها في بيته باقي الشهر حتى لا يظن أنها واجبة ، ولم يثبت نسخها » ؛ فعمر فعل ما كان مسنونا ، لا أنه فعل ما لم يكن « 2 » . قولهم : إنه خالف أمر الرسول في تولية معاوية ، لا نسلم ما ذكروه عن النبي - عليه الصلاة والسلام - في حق معاوية ، فلم يثبت ، ولم يصح . ولا سيّما وهو كان كاتب الوحي ، وخال المؤمنين . وبتقدير الصحة ؛ فلا نسلم أن عمر خالف أمر النبي - صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه قال : « إذا رأيتم معاوية على منبرى هذا - بطريق التعيين - فاقتلوه » « 3 » ، وما لزم من توليته على إقليم الشام ، المنع من قتله بتقدير أن يرى على منبر رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم ، حتى يكون مخالفا لأمره . قولهم : إنه منع أهل البيت من الخمس « 4 » . قلنا : لعله « 11 » / / اطلع في اجتهاده على معارض اقتضى ذلك ، وعارض به نص الكتاب . وبالجملة : فمخالفة المجتهد في الأمور الظنية لما هو ظاهر لغيره ، لا يوجب القدح فيه ، وإلا لزم ذلك في كل واحد من المجتهدين المختلفين ؛ وهو ممتنع . قولهم : إنه كان جاهلا بالقرآن ؛ لا نسلم ذلك « 5 » . وأما قصته في حالة موت النبي - عليه السلام - مع أبي بكر ؛ فذلك ممّا لا يدل على جهله بالقرآن ؛ فإن تلك الحالة ، كانت حالة تشويش البال ، واضطراب الأحوال ، والذهول عن
--> ( 1 ) قارن رد الآمدي برد صاحب المغنى 20 / 28 من القسم الثاني . ( 2 ) عمر - رضي اللّه عنه - فعل ما كان مسنونا وما فعله رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - فقد ورد في صحيح مسلم 2 / 177 « عن عائشة أن رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس . ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - فلما أصبح قال : قد رأيت الّذي صنعتم ، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم ، وذلك في رمضان . ( 3 ) هذا الحديث موضوع ذكره ابن الجوزي في الموضوعات 2 / 25 وما بعدها . ( 11 ) / / أول ل 177 / ب . ( 4 ) قارن هذا الطعن والرد عليه بما ذكره صاحب المغنى في أبواب التوحيد والعدل 20 / 15 وما بعدها . من القسم الثاني . ( 5 ) قارن هذا الرد بما ورد في منهاج السنة لابن تيمية 4 / 222 ، 223 .